منتدى الرياضيات للأستاذ لعراجي لعرج
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجوا منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا. إن لم يكن لديك حساب بعد, نتشرف بدعوتك لإنشائه


منتدى الرياضيات للأستاذ لعراجي لعرج

اهلا وسهلا بك يا زائر , لديك 0 مساهمة
 
الرئيسيةالتسجيلدخول تسجيل دخول الاعضاء

شاطر | 
 

 البيت الحرام ومفهوم الوسطية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الأستاذ لعراجي لعرج
المدير العام

المدير العام
avatar

ذكر
رقم العضوية : 01
تاريخ التسجيل : 03/12/2008
عدد الرسائل : 2561
عدد المواضيع : 1427
جنسيتك : جزائرية
الموقع : المشرية
عدد الاوسمة : 01
  :

مُساهمةموضوع: البيت الحرام ومفهوم الوسطية   الأحد أبريل 12, 2009 6:57 pm

البيت الحرام ومفهوم الوسطية
مفهوم الوسطية
من خصائص الدين القيم أنه دين الوسطية، سواء من الوساطة، بمعنى الحسن والفضل، أو من الوسط بكل معانيه - كما سيأتي -، قال جل شأنه: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [البقرة]
والوسط في الأصل: اسم للمكان الذي يستوي إليه المساحة من الجوانب في المدور، ومن الطرفين في المطول، كمركز الدائرة، ولسان الميزان من العمود، ثم استعير للخصال المحمودة، لوقوعها بين طرفي إفراط وتفريط.
وإذا فرضنا خطوطا كثيرة واصلة بين نقطتين متقابلتين، فالخط المستقيم إنما هو الخط الواقع في وسط تلك الخطوط المنحنية، ومن ضرورة كونه وسطا بين الطرق الجائرة أن تكون المهدية إليه وسطاً بين الأمم السالكة إلى تلك الطرق الزائفة( ).
ومعلوم أن الزيادة على المطلوب في الأمر إفراط( )، والنقص عنه تفريط وتقصير، وكل من الإفراط والتفريط ميل عن الجادة القويمة، فهو شر ومذموم، فالخيار هو الوسط بين طرفي الأمر، أي المتوسط بينهما.
بيد أنه يقال: لم اختير لفظ الوسط على لفظ الخيار، مع أن هذا هو المقصود، والأول إنما يدل عليه بالالتزام؟
والجواب من وجهين:
أحدهما: أن وجه الاختيار هو التمهيد للتعليل الآتي، فإن الشاهد على الشيء لابد أن يكون عارفاً به، ومن ثم كان متوسطاً بين شيئين، فإنه يرى أحدهما من جانب، وثانيهما من الجانب الآخر، وأما من كان في أحد الطرفين فلا يعرف حقيقة الطرف الآخر، ولا حال الوسط أيضاً.
وثانيهما: أن في لفظ الوسط إشعاراً بالسببية، فكأنه دليل على نفسه، أي أن المسلين خيار وعدول، لأنهم وسط، وليسوا من أرباب الغلو في الدين المفرطين، لا من أرباب التعطيل المفرطين، فهم كذلك في العقائد والأخلاق والأعمال.
ووسطية الأمة الإسلامية مستمدة من وسطية منهجهاً ونظامهاً( )، فهو منهج وسط، لأمة وسط، منهج الاعتدال والتوازن الذي سلم من الإفراط والتفريط، أو من الغلو والتقصير.
مزايا الوسطية وفوائدها:
ولقد كان من حكمة الله تعالى أن اختار الوسطية أو التوازن شعاراً مميزاً لهذه الأمة التي هي آخر الأمم، ولهذه الرسالة التي ختم بها الرسالات الإلهية، وبعث بها خاتم أنبيائه رسولاً للناس جميعاً، ورحمة للعالمين.
الوسطية تعني العدل:
ومن معاني الوسطية التي وصفت بها الأمة في الآية الكريمة التي معنا، ورتبت عليها شهادتها على البشرية كلها: العدل، الذي هو ضرورة لقبول شهادة للشاهد، فما لم يكن عدلاً، فإن شهادته مردودة مرفوضة، أما الشاهد العدل، والحاكم العدل، فهو المرضي بين كافة الناس.
وقد روى البخاري وغيره عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يجيء نوح وأمته، فيقول الله تعالى: هل بلغت؟ فيقول. نعم، أي رب، فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا، ما جاءنا من نبي، فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، فتشهد أنه قد بلغ، وهو قوله جل ذكره: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)) [البقرة]}
والوسط: العدل زاد أحمد في رواية قال: {ثم أشهد عليكم} ( ) .
ومن ثم فالأمة الإسلامية هي الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعاً، فتقيم بينهم العدل والقسط، وتضع لهم الموازين والقيم، وتبدي فيهم رأيها، فيكون هو الرأي المعتمد، وتزن قيمهم وتصوراتهم وتقاليدهم وشعاراتهم، فتفصل في أمرها، وتقول: هذا حق، وهذا باطل، لا التي تتلقى من الناس تصوراتها وقيمها وموازينها، وهي شهيدة على عمل الناس، وفي مقام الحكم العدل بينهم. وبينما هي تشهد على الناس هكذا، فإن الرسول الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم هو الذي يشهد عليها، فيقرر لها موازينها وقيمها، ويحكم على أعمالها وتقاليدها، ويزن ما يصدر عنها، ويقول فيه الكلمة الأخيرة.
ومن ثم تكون هذه الأمة وسطاً باتباعها للرسول الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم في سيرته ومنهجه، وهو القاضي بين الناس فيمن اتبع سنته، ومن ابتدع لنفسه تقاليد أخرى، أو حذا حذو المبتدعين.
فكما تشهد هذه الأمة على الناس بسيرتها وارتقائها الجسدي والروحي بأنهم قد ضلوا عن القصد يشهد لها الرسول الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم بما وافقت فيه سنته، وما كان لها من الأسوة الحسنة فيه، بأنها استقامت على صراط الهداية المستقيم، فكأنه قال: إنما يتحقق لكم وصف الوسط إذا حافظتم على العمل بهدي الرسول، واستقمتم على سنته.
الوسطية تعني الاستقامة:
والوسطية تعني: استقامة المنهج، والبعد عن الميل والانحراف، فالمنهج المستقيم، وبتعبير القرآن الكريم: الصراط المستقيم، هو الطريق السوي الواقع وسط الطرق الجائرة عن القصد إلى الجوانب.
ومن هنا علم هذا الدين القيم المسلم أن يسأل الله الهداية للصراط المستقيم كل يوم ما لا يقل عن سبع عشرة مرة، هي عدد ركعات الصلوات الخمس المفروضة في اليوم والليلة، وذلك حين يقرأ فاتحة الكتاب في صلاته فيقول داعياً ربه: ((اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)) [الفاتحة] * ((صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ)) [الفاتحة]
قال ابن كثير: ومعنى ((اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)) [الفاتحة] * ((صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ)) [الفاتحة] ممن تقدم وصفهم ونعتهم، وهم أهل الهداية والاستقامة والطاعة لله ورسوله، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه وزواجره، غير صراط المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين، وهم الذين فقدوا العلم، فهم هائمون في الضلالة، لا يهتدون إلى الحق، وأكد الكلام بـ (لا) ليدل على أن ثم مسلكين فاسدين، وهما طريقة اليهود والنصارى( ).
وروى ابن حبان وغيره( ) عن عدي بن حاتم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)) [الفاتحة]: اليهود، والضالون: النصارى.
وأخرجه ابن مردويه عن أبي ذر، وأحمد من طريق عبد الله بن شقيق أنه أخبره من سمع النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، وقال ابن أبي حاتم: لا أعلم بين المفسرين في ذلك اختلافاً.
وشاهد ذلك قوله تعالى في اليهود: ((فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ)) [البقرة]
وفي النصارى: ((قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا)) [المائدة].
ولا شك أن كلاً من اليهود والنصارى يمثلون الإفراط والتفريط في كثير من القضايا.. يطول الحديث في ذكرها.
والإسلام يعلم المسلم أن يحذر من تطرف كلا الفريقين، وأن يلتزم المنهج الوسط، أو الصراط المستقيم، الذي سار عليه كل من رضي الله عنهم، وأنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
الوسطية دليل الخيرية:
والوسطية دليل الخيرية، ومظهر الفضل والتمييز في الماديات والمعنويات، ففي الأمور المادية نرى أفضل حبات العقد واسطته، ونرى رئيس القوم في الوسط والأتباع من حوله.. وفي الأمور المعنوية نجد الوسط دائماً خيراً من التطرف.
ولهذا قال العرب في حكمهم: خير الأمور الوسط.
وقال ابن كثير في الآية التي معنا: الوسط ها هنا: الخيار والأجود.( )
الوسطية تمثل الأمان:
والوسطية تمثل منطقة الأمان، والبعد عن الخطر، فالأطراف عادة تتعرض للخطر والفساد، بخلاف الوسط، فهو محمي ومحروس بما حوله، قال الشاعر:
كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت بها الحوادث حتى أصبحت طرفاً
وكذلك شأن النظام الوسط، والأمة الوسط.
الوسطية دليل القوة:
والوسطية دليل القوة، فالوسط هو مركز القوة.. ألا ترى الشباب يمثل مرحلة القوة وسطاً بين ضعف الطفولة وضعف الشيخوخة؟. والشمس في وسط النهار أقوى منها في أول النهار وآخره؟.

_________________






عدل سابقا من قبل الأستاذ ل لعراجي في الأحد أبريل 12, 2009 7:03 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arouj.ahlamontada.com
الأستاذ لعراجي لعرج
المدير العام

المدير العام
avatar

ذكر
رقم العضوية : 01
تاريخ التسجيل : 03/12/2008
عدد الرسائل : 2561
عدد المواضيع : 1427
جنسيتك : جزائرية
الموقع : المشرية
عدد الاوسمة : 01
  :

مُساهمةموضوع: رد: البيت الحرام ومفهوم الوسطية   الأحد أبريل 12, 2009 6:59 pm

الوسطية مركز الوحدة:
والوسطية تمثل مركز الوحدة ونقطة التلاقي.. فعلى حين تتعدد الأطراف تعدداً قد لا يتناهى، يبقى الوسط واحداً، يمكن لكل الأطراف أن تلتقي عنده، فهو المنتصف، وهو المركز، وهذا واضح في الجانب المادي والجانب الفكري والمعنوي على سواء.
ومركز الدائرة في وسطها يمكن لكل الخطوط الآتية من المحيط أن تلتقي عنده.
والفكرة الوسطى يمكن أن تلتقي بها الأفكار المتطرفة في نقطة ما، هي نقطة التوازن والاعتدال.
كما أن التعدد والاختلاف الفكري يكون حتمياً كلما وجد التطرف، وتكون حدته وشدته بقدر هذا التطرف في البعد عن التوسط والاعتدال، فهو طريق الوحدة الفكرية ومركزها ومنبعها، ولهذا تثير المذاهب والأفكار المتطرفة من الفرقة والخلاف بين أبناء الأمة الواحدة ما لا تثيره المذاهب المعتدلة في العادة.
مظاهر الوسطية في الإسلام:
وإذا كان للوسطية كل هذه المزايا، فلا عجب أن تتجلى واضحة في كل جوانب الإسلام، نظرية وعملية، تربوية وتشريعية.
فالإسلام وسط في الاعتقاد والتصور.. وسط في التعبد والتنسك.. وسط في الأخلاق والآداب.. وسط في التشريع والنظام.
وسطية الإسلام في الاعتقاد:
فهو وسط في الاعتقاد بين الخرافيين الذين يسرفون في الاعتقاد، فيصدقون بكل شيء، ويؤمنون بغير برهان، وبين الماديين الذين ينكرون كل ما وراء الحس، ولا يستمعون لصوت الفطرة، ولا نداء العقل، ولا صراخ المعجزة.
فالإسلام يدعو إلى الاعتقاد والإيمان، ولكن بما قام عليه الدليل القطعي، والبرهان ليقيني، وما عدا ذلك يرفضه ويعده من الأوهام، وشعاره دائماً: ((قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ)) [البقرة:111] وهو وسط بين الملاحدة الذين لا يؤمنون بإله قط، خانقين صوت الفطرة في صدورهم، متحدين منطق العقل في رؤوسهم، وبين الذين يعددون الآلهة، حتى عبدوا الأبقار، وألهوا الأوثان والأحجار.
فالإسلام يدعو إلى الإيمان بإله واحد لا شريك له، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، وكل من عداه وما عداه مخلوقات لا تملك ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، فتأليهها شرك وظلم، وضلال بين: ((وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ)) [الأحقاف:5]
وهو وسط بين الذين يعتبرون الكون هو الوجود الحق وحده، وما عداه – مما لا تراه العين ولا تلمسه اليد - خرافة ووهماً، وبين الذين يعتبرون الكون وهماً لا حقيقة له، وسراباً بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.
فالإسلام يعتبر وجود الكون حقيقة لا ريب فيها، ولكنه يعبر من هذه الحقيقة إلى حقيقة أكبر منها، وهي: من كونه ونظمه ودبر أمره؟ هو الله تعالى: ((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ)) [آل عمران:190] * ((الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ)) [آل عمران:191]
وهو وسط بين الذين يؤلهون الإنسان، ويضفون عليه خصائص الربوبية، ويعتبرونه إله نفسه، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وبين الذين جعلوه أسير جبرية اقتصادية أو اجتماعية أو دينية، فهو كريشة في مهب الريح، أو دمية يحرك خيوطها المجتمع، أو الاقتصاد أو القدر.
فالإنسان في نظر الإسلام مخلوق مكلف مسئول، سيد في الكون، عبد لله، قادر على تغيير ما حوله بقدر ما يغير ما بنفسه: ((إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)) [الرعد:11] وهو وسط بين الذين يقدسون الأنبياء حتى رفعوهم إلى مرتبة الألوهية أو البنوة للإله، وبين الذين كذبوهم واتهموهم، وصبوا عليهم كؤوس العذاب.
فالأنبياء بشر مثلنا، يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، ولكثير منهم أزواج وذرية، وكل ما بينهم وبين غيرهم من فرق أن الله من عليهم بالوحي، وأيدهم بالمعجزات: ((قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)) [إبراهيم:11]
وهو وسط بين الذين يؤمنون بالعقل وحده مصدراً لمعرفة حقائق الوجود، وبين الذين لا يؤمنون إلا بالوحي والإلهام، ولا يعترفون للعقل بدور في نفي أو إثبات.
فالإسلام يؤمن بالعقل، ويدعوه للنظر والتفكر، وينكر عليه الجمود والتقليد، ويخاطبه بالأوامر والنواهي.. ولكنه يجعل الوحي معيناً فيما تضل فيه العقول وتختلف، وما تغلب عليه الأهواء، وهادياً إلى ما ليس من اختصاصه ولا هو في مقدوره من الغيبيات والسمعيات وطرائق التعبد لله تعالى.
وسطية الإسلام في العبادات والشعائر:
والإسلام وسط في عباداته وشعائره بين الأديان والنحل التي ألغت الجانب (الرباني) - جانب العبادة والتنسك والتأله - من فلسفتها وواجباتها، وبين الأديان والنحل التي طلبت من أتباعها التفرغ للعبادة والانقطاع عن الحياة والإنتاج.
فالإسلام يكلف المسلم أداء شعائر محددة في اليوم، كالصلاة، أو في السنة كالصوم، أو في العمر مرة كالحج، ليظل دائماً موصولاً بالله، غير مقطوع عن رضاه، ثم يطلقه بعد ذلك ساعياً منتجاً، يمشي في مناكب الأرض، ويأكل من رزق الله.
ولعل أوضح دليل نذكره هنا: الآيات الآمرة بصلاة الجمعة: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)) [الجمعة:9] * ((فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) [الجمعة:10].

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arouj.ahlamontada.com
الأستاذ لعراجي لعرج
المدير العام

المدير العام
avatar

ذكر
رقم العضوية : 01
تاريخ التسجيل : 03/12/2008
عدد الرسائل : 2561
عدد المواضيع : 1427
جنسيتك : جزائرية
الموقع : المشرية
عدد الاوسمة : 01
  :

مُساهمةموضوع: رد: البيت الحرام ومفهوم الوسطية   الأحد أبريل 12, 2009 7:00 pm

فهذا هو شأن المسلم مع الدين والحياة، حتى في يوم الجمعة: بيع وعمل للدنيا قبل الصلاة، ثم سعي إلى ذكر الله، وإلى الصلاة، وترك البيع والشراء وما أشبهه من مشاغل الحياة، ثم انتشار في الأرض، وابتغاء الرزق من جديد بعد انقضاء الصلاة، مع عدم الغفلة عن ذكر الله كثيراً في كل حال، فهو أساس الفلاح والنجاح.
وهذا هو التوازن الذي يتسم به المنهج الإسلامي( )، التوازن بين مقتضيات الحياة في الأرض، من عمل وكد ونشاط وكسب، وبين عزلة الروح فترة عن هذا. الجو، وانقطاع القلب وتجرده للذكر، وهي ضرورة لحياة القلب، لا يصلح بدونها للاتصال والتلقي والنهوض بتكاليف الأمانة الكبرى.
وسطية الإسلام في الأخلاق:
والإسلام وسط في الأخلاق بين غلاة المثاليين الذين تخيلوا الإنسان ملاكاً أو شبه ملاك( )، فوضعوا له من القيم والآداب ما لا يمكن له، وبين غلاة الواقعيين الذين حسبوه حيواناً أو كالحيوان، فأرادوا له من السلوك ما لا يليق به، فأولئك أحسنوا الظن بالفطرة الإنسانية فاعتبروها خيراً محضاً، وهؤلاء أساءوا بها الظن فعدوها شراً خالصاً، وكانت نظرة الإسلام وسطاً بين أولئك وهؤلاء.
فالإنسان في نظر الإسلام مخلوق مركب: فيه العقل، وفيه الشهوة، فيه غريزة الحيوان، وروحانية الملاك، قد هدي النجدين، وتهيأ بفطرته لسلوك السبيلين، إما شاكراً وإما كفوراً، فيه استعداد للفجور استعداده للتقوى، ومهمته جهاد نفسه ورياضتها حتى تتزكى: ((وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا)) [الشمس:7] * ((فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)) [:8] * ((قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا)) [الشمس:9] * ((وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)) [الشمس:10].
وهو كذلك وسط في نظرته إلى حقيقة الإنسان بين النحل والمذاهب التي تقوم على اعتباره روحاً علوياً سجن في جسد أرضي، ولا يصفو هذا الروح ولا يسمو إلا بتعذيب هذا الجسد وحرمانه، كالبرهمية وغيرها، وبين المذاهب المادية التي تعتبر الإنسان جسداً محضاً، وكياناً مادياً صرفاً، لا يسكنه روح علوي، ولا يختص بأي نعمة سماوية.
أما الإنسان في الإسلام فهو كيان روحي ومادي.. ومن ثم فالأمة الإسلامية هي الأمة الوسط في التصور والاعتقاد.. لا تغلو في التجرد الروحي، ولا في الارتكاس المادي.. إنما تتبع الفطرة الممثلة في روح متلبس بجسد، أو جسد متلبس بروح، وتعطي لهذا الكيان المزدوج الطاقات حقه المتكامل من كل زاد، وتعمل لترقية الحياة ورفعها، في الوقت الذي تعمل فيه على حفظ الحياة وامتدادها، وتطلق كل نشاط في عالم الأشواق وعالم النوازع، بلا تفريط ولا إفراط، في قصد وتناسق واعتدال.
والإسلام وسط في النظرة إلى الحياة بين الذين أنكروا الآخرة، واعتبروا هذه الحياة الدنيا هي كل شيء، هي البداية والنهاية: ((وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ)) [الأنعام:29]
وبهذا غرقوا في الشهوات، وعبدوا أنفسهم للماديات، ولم يعرفوا لهم هدفاً يركضون وراءه غير المنافع الفردية الدنيوية العاجلة، وهذا شأن الماديين في كل زمان ومكان، وعصر ومصر، وجيل وقبيل، وبين الذين رفضوا هذا الحياة، وألغوا اعتبارها من وجودهم، واعتبروها شراً يجب مقاومته، والفرار منه، فحرموا على أنفسهم طيباتها وزينتها، وفرضوا عليها العزلة عن أهلها، والانقطاع عن عمارتها والإنتاج لها.
فالإسلام يعتبر الحياتين، ويجمع بين الحسنين، ويجعل الدنيا مزرعة للآخرة، ويرى العمل في عمارتها عبادة لله، وأداء لرسالة الإنسان، وينكر على غلاة المتدينين تحريم الزينة والطيبات، كما ينكر على الآخرين انهماكهم في الترف والشهوات، قال تعالى: ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ)) [محمد:12]، وقال تعالى: ((يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)) [الأعراف:31] * ((قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)) [الأعراف:32].
وهنا نبصر أن هذا الدين القيم لا يريد من المؤمنين أن يدعوا أمر الدنيا، فهم خلقوا للخلافة فيها، ولكنه يريد منهم أن يتجهوا إلى الله في أمرها، وألا يضيقوا من آفاقهم، فيجعلوا من الدنيا سوراً يحصرهم فيها..
إنه يريد أن يطلق الإنسان من أسوار هذه الأرض الصغيرة، فيعمل فيها وهو أكبر منها، ويزاول الخلافة وهو متصل بالأفق الأعلى.. ومن ثم تبدو الاهتمامات القاصرة على هذه الأرض ضئيلة هزيلة وحدها، حين ينظر إليها الإنسان من قمة التصور الإسلامي.
ويطل الإنسان من تلك القمة العالية فيأخذه العجب من انشغال البشرية بهذا العبث وذلك العنت، وتلك الشقوة والضلالة، وهذا الاضطراب في الفهم والإدراك.. نبصر كل هذا في جحود هؤلاء وكنودهم، وهم يطلبون الدنيا وحدها، وهم صنف مكرر في الأزمنة والأمكنة.
وهنا نبصر الدعاء الذي تضمن خير الدارين في اعتدال.
ومن ثم لم نجد الصنف الثالث بحسب القسمة العقلية، وهو الذي يطلب الآخرة وحدها، فهذا غير مقبول بحال. ونبصر الدين القيم يريد أن يطلق الإنسان من أسوار هذه الأرض الصغيرة، فيعمل فيها، وهو أكبر منها، ويزاول الخلافة، وهو متصل بالملأ الأعلى. ومن ثم تبدو الاهتمامات القاصرة على ظهر هذه الأرض ضئيلة هزيلة، حين ينظر إليها الإنسان من قمته وفق التصور الإسلامي. نبصر هذا الدعاء في قول الرسول الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان
عن أنس رضي الله عنه قال: كان كثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: ((رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)) [البقرة:201]( ).
وما أشد حاجتنا أن نبصر سر التوازن بين المادية والروح في هذا الدين القيم، حتى نتقدم ركب الحياة، كما كان سلفنا الصالح.. علماً وعملاً.. فقهاً وسلوكاً.. فكراً وحركة.. تقدماً وزيادة.. إمامة وقيادة.
ويطول بنا الحديث لو حاولنا الحديث عن وسطية الإسلام في التشريع( ).
الأمة الوسط في التفكير والشعور:
والأمة الإسلامية هي الأمة الوسط في التفكير والشعور( ).. لا تجمد على ما علمت، وتغلق منافذ التجربة والمعرفة، ولا تتبع كل ناعق، وتقلد تقليد القردة المضحك.. إنما تستمسك بما لديها من تصورات ومناهج وأصول، ثم تنظر في كل نتاج للفكر والتجريب، وشعارها الدائم: الحقيقة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها، في تثبت ويقين.
وهي الأمة الوسط في الارتباطات والعلاقات.. لا تلغي شخصية الفرد ومقوماته، ولا تلاشي شخصيته في شخصية الجماعة أو الدولة، ولا تطلقه كذلك فرداً جشعاً، لا هم له إلا ذاته.. إنما تطلق من الدوافع والطاقات ما يؤدي إلى الحركة والنماء، وتطلق من النوازع والخصائص ما يحقق شخصية الفرد وكيانه، ثم تضع من الكوابح ما يقف دون الغلو، ومن المنشطات ما يثير رغبة الفرد في خدمة الجماعة، وتقرر من التكاليف والواجبات ما يجعل الفرد خادماً للجماعة، والجماعة كافلة للفرد في تناسق واتساق.
الأمة الوسط في الزمان:
وهي الأمة الوسط في الزمان.. تنهي عهد طفولة البشرية من قبلها، وتحرس عهد الرشد العقلي من بعدها.. وتقف في الوسط تنفض عن البشرية ما علق بها من أوهام وخرافات من عهد طفولتها، وتصدها عن الفتنة بالعقل والهوى، وتزاوج بين تراثها الروحي من عهود الرسالات، ورصيدها العقلي المستمر في النماء، وتسير بها على الصراط السوي بين هذا وذاك.
الأمة الوسط في المكان:

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arouj.ahlamontada.com
الأستاذ لعراجي لعرج
المدير العام

المدير العام
avatar

ذكر
رقم العضوية : 01
تاريخ التسجيل : 03/12/2008
عدد الرسائل : 2561
عدد المواضيع : 1427
جنسيتك : جزائرية
الموقع : المشرية
عدد الاوسمة : 01
  :

مُساهمةموضوع: رد: البيت الحرام ومفهوم الوسطية   الأحد أبريل 12, 2009 7:02 pm

وهي الأمة الوسط في المكان( ).. في سرة الأرض، وفي أوسط بقاعها. وما تزال هذه الأمة التي غمر أرضها الدين القيم إلى هذه اللحظة هي الأمة التي تتوسط أقطار الأرض بين شرق وغرب، وجنوب وشمال. وما تزال بموقعها هذا تشهد الناس جميعاً، وتشهد على الناس جميعاً، وتعطي ما عندها لأهل الأرض قاطبة، وعن طريقها تعبر ثمار الطبيعة وثمار الروح والفكر من هنا إلى هناك، وتتحكم في هذه الحركة ماديها ومعنوياتها على السواء. وهنا نقرأ قول الحق تبارك وتعالى: ((وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا)) [الشورى:7]
وأم القرى (مكة المكرمة).. المكرمة بأول بيت وضع في الأرض للعبادة وخصص لها، وقد اختار الله عز وجل أن تكون (مكة المكرمة) وما حولها موضع هذه الرسالة الخالدة، وأنزل القرآن الكريم بلغتها العربية لأمر يعلمه جل شأنه ويريده.
حكمة اختيار القبلة التي كانوا عليها:
وفي الآية التي معنا نبصر حكمة اختيار القبلة التي كانوا عليها، بمناسبة تحويلهم عنها( )، ونحن نقرأ: ((وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ)) [البقرة:143].
وهنا تتضح خطة التربية الربانية التي يأخذ الله بها هذه الجماعة الناشئة، التي يريد لها أن تكون الوارثة للعقيدة، المستخلفة في الأرض تحت راية العقيدة. ويريد لها أن تخلص له، وأن تتخلص من كل رواسب الجاهلية ووشائجها، وأن تتجرد من كل سماتها القديمة، ومن كل رغابها الدفينة، وأن تتعرى من كل رداء لبسته في الجاهلية، ومن كل شعار اتخذته، وأن ينفرد في حسها شعار الإسلام وحده، لا يتلبس به شعار آخر، وأن يتوحد المصدر الذي تتلقى منه، لا يشاركه مصدر آخر.
ولما كان الاتجاه إلى البيت الحرام قد تلبست به في نفوس العرب فكرة أخرى غير فكرة العقيدة، وشابت عقيدة جدهم إبراهيم شوائب من الشرك، ومن عصبية الجنس، إذ كان البيت يعتبر في ذلك الحين بيت العرب المقدس.. والله عز وجل يريد أن يكون بيت الله المقدس لا يضاف إليه شعار آخر غير شعاره، ولا يتلبس بسمة أخرى غير سمته.
لما كان الاتجاه إلى البيت الحرام قد تلبست به هذه السمة الأخرى، فقد صرف الله المسلمين عنه فترة، ووجههم إلى بيت المقدس، ليخلص مشاعرهم من ذلك التلبس القديم أولاً، ثم ليختبر طاعتهم وتسليمهم للرسول الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم ثانياً، ويفرز الذين يتبعونه لأنه رسول الله، والذين يتبعونه لأنه أبقى على البيت الحرام قبلة، فاستراحت نفوسهم إلى هذا الإبقاء تحت تأثير شعورهم بجنسهم وقومهم ومقدساتهم القديمة.
إنها لفتة دقيقة شديدة الدقة.
إن العقيدة الإسلامية لا تطيق لها في القلب شريكاً، ولا تقبل شعاراً غير شعارها المفرد الصريح، إنها لا تقبل راسباً من رواسب الجاهلية في أية صورة من الصور، جل أم صغر، وهذا هو إيحاء ذلك النص القرآني: ((وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ)) [البقرة:143].
والله سبحانه يعلم كل ما يكون قبل أن يكون، ولكنه يريد أن يظهر المكنون من الناس، حتى يحاسبهم عليه، ويأخذهم به، فهو -لرحمته بهم- لا يحاسبهم على ما يعلمه من أمرهم، بل على ما يصدر عنهم، ويقع بالفعل منهم.
ولقد علم الله عز وجل أن الانسلاخ من الرواسب الشعورية، والتجرد من كل سمة، وكل شعار له بالنفس علقة.. أمر شاق، ومحاولة عسيرة.. إلا أن يبلغ الإيمان من القلب مبلغ الاستيطان المطلق، وإلا أن يعين الله هذا القلب في محاولته فيصله به، ويهديه إليه: ((وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ)) [البقرة:143].
فإذا كان الهدى فلا مشقة ولا عسر في أن تخلع النفس عنها تلك الشعارات، وأن تنفض عنها تلك الرواسب، وأن تتجرد لله تسمع منه وتطيع، حيثما وجهها الله تتجه، وحيثما قادها تقاد.
ثم يطمئن المسلمين على إيمانهم وعلى صلاتهم.
إنهم ليسوا على ضلال، وإن صلاتهم لم تضع، فالله سبحانه لا يعنت العباد، ولا يضيع عليهم عبادتهم التي توجهوا بها إليه، ولا يشق عليهم في تكليف يجاوز طاقتهم التي يضاعفها الإيمان ويقويها: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [البقرة:143].
الكعبة قبلة المسلمين:
يروي الشيخان وغيرهما عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: [كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر -أو سبعة عشر- شهراً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله: ((قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ)) [البقرة:144].
فتوجه نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس - وهم اليهود -: ((مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)) [البقرة:142].
فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم رجل، ثم خرج بعدما صلى، فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت المقدس، فقال: هو يشهد أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه توجه نحو الكعبة، فتحرف القوم، حتى توجهوا نحو الكعبة]. وفي رواية عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: [بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة]( ).
وفي رواية للبخاري عن البراء: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده -أو قال أخواله- من الأنصار، وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قومه، فخرج رجل ممن صلى معه، فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله. لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة، فداروا -كما هم- قبل البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس، وأهل الكتاب، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك.
قال زهير: حدثنا إسحاق عن البراء في حديثه هذا أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا، فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله تعالى: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ)) [البقرة:143]( ).
بهذا يسكب في قلوب المسلمين الطمأنينة، ويذهب عنها القلق، ويفيض عليها الرضى والثقة واليقين.
بعد ذلك يعلن استجابة الله عز وجل للرسول الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم في أمر القبلة، ويعلن عن هذه القبلة، مع تحذير المسلمين من فتنة يهود، وكشف العوامل الحقيقية الكامنة وراء حملاتهم ودسائسهم.. في صورة تكشف عن مدى الجهد الذي كان يبذل لإعداد تلك الجماعة المسلمة، ووقايتها من البلبلة والفتنة: ((قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ)) [البقرة:144] * ((وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ)) [البقرة:145] * ((الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)) [البقرة:146] * ((الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ)) [البقرة:147] * ((وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) [البقرة:148] * ((وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)) [البقرة:149] * ((وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)) [البقرة:150].
وفي مطلع هذه الآيات نجد تعبيراً مصوراً لحالة الرسول الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم: ((قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ)) [البقرة:144] نجد تعبيراً مصوراً لتلك الرغبة القوية في أن يوجهه ربه إلى قبلة غير القبلة التي كان عليها، بعدما كثر لجاج اليهود وحجاجهم، ووجدوا في اتجاه الجماعة المسلمة لقبلتهم وسيلة للتمويه والتضليل والبلبلة والتلبيس.. فكان الرسول الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم يقلب وجهه في السماء، ولا يصرح بدعاء، تأدباً مع ربه، وتحرجاً أن يقترح عليه شيئاً، أو أن يقدم بين يديه شيئاً.
ولقد أجابه ربه إلى ما يرضيه، والتعبير عن هذه الاستجابة يصور تلك الصلة الرحيمة الحانية الودود: ((فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا)) [البقرة:144].
ثم يعين له هذه القبلة التي علم الله عز وجل أنه يرضاها: ((فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ)) [البقرة:144].
قبلة له ولأمته.. من معه منها، ومن يأتي من بعده إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: ((وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)) [البقرة:144].

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arouj.ahlamontada.com
الأستاذ لعراجي لعرج
المدير العام

المدير العام
avatar

ذكر
رقم العضوية : 01
تاريخ التسجيل : 03/12/2008
عدد الرسائل : 2561
عدد المواضيع : 1427
جنسيتك : جزائرية
الموقع : المشرية
عدد الاوسمة : 01
  :

مُساهمةموضوع: رد: البيت الحرام ومفهوم الوسطية   الأحد أبريل 12, 2009 7:02 pm

من كل اتجاه، في أنحاء الأرض جميعاً.
قبلة واحدة تجمع هذه الأمة، وتوحد بينها على اختلاف مواطنها، واختلاف مواقعها من هذه القبلة، واختلاف أجناسها وألسنتها وألوانها.
قبلة واحدة تتجه إليها الأمة الواحدة في مشارق الأرض ومغاربها، فتحس أنها جسم واحد، وكيان واحد، تتجه إلى هدف واحد، وتسعى لتحقيق منهج واحد.
منهج ينبثق من كونها تعبد إلهاً واحداً، وتؤمن بمنهج واحد، وتتجه إلى قبلة واحدة.
وهكذا وحد الله هذه الأمة.. على اختلاف المواطن والأجناس والألوان واللغات، ولم يجعل وحدلها تقوم على قاعدة من هذه القواعد كلها، ولكن تقوم على عقيدتها وقبلتها، ولو تفرقت في مواطنها وأجناسها وألوانها ولغاتها.
إنها الوحدة التي تليق ببني الإنسان، الذي يجتمع على عقيدة القلب، وقبلة العبادة، إذا تجمع الحيوان على المرعى والكلأ والسياج والحظيرة.
ثم.. ما شأن أهل الكتاب وهذه القبلة الجديدة؟. ((وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ)) [البقرة:144].
إنهم ليعلمون أن المسجد الحرام هو أول بيت وضع للناس، وقد رفع قواعده إبراهيم عليه السلام، جد هذه الأمة الوارثة، وإنهم ليعلمون أن الأمر بالتوجه إليه حق من عند الله لا مرية فيه.
ولكنهم مع هذا يفعلون غير ما يوحيه هذا العلم الذي يعلمونه، فلا على المسلمين منهم، فالله هو الوكيل الكفيل برد مكرهم وكيدهم: ((وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ)) [البقرة:144].
إنهم لن يقتنعوا بدليل، لأن الذي ينقصهم ليس هو الدليل، إنما هو الإخلاص والتجرد من الهوى، والاستعداد للتسليم بالحق حين يعلمونه: ((وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ)) [البقرة:145].
فهم في عناد يقوده الهوى، ويحدوه الغرض..
وإن كثيرين ليظنون أن الذي يصد أهل الكتاب عن الإسلام أنهم لا يعرفونه، أو لأنه لم يقدم إليهم في صورة مقنعة، وهذا وهم.
إنهم لا يريدون الإسلام لأنهم يعرفونه.. ومن ثم يكيدون له ذلك الكيد الناصب الذي لا يفتر، بشتى الطرق وشتى الوسائل، عن طريق مباشر وعن طرق أخرى غير مباشرة.. يحاربونه وجهاً لوجه، ويحاربونه من وراء ستار، ويحاربونه بأنفسهم، ويستهوون من أهله من يحاربه لهم تحت أي ستار.. وهم دائماً عند قول الله تعالى للرسول الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم: ((وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ)) [البقرة:145].
وفي مواجهة هذا الإصرار من أهل الكتاب على الإعراض عن قبلة الإسلام ومنهجه الذي ترمز هذه القبلة له، يقرر حقيقة شأن الرسول الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم، وموقفه الثابت الدائم: ((وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ)) [البقرة:145].
ليس من شأنك أن تتبع قبلتهم أصلاً، والجملة الاسمية المنفية هنا أبلغ في بيان الشأن الثابت الدائم للرسول الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم تجاه هذا الأمر، وفيه إيحاء قوي للجماعة المسلمة من ورائه، فلن تختار قبلة غير قبلة رسولها التي اختارها له ربه ورضيها له ليرضيه، ولن ترفع راية غير رايتها التي تنسبها إلى ربها، ولن تتبع منهجاً إلا المنهج الإلهي الذي ترمز له هذه القبلة الختارة.
هذا شأنها ما دامت مسلمة.
ويكشف عن حقيقة الموقف بين أهل الكتاب بعضهم وبعض، فهم ليسوا على وفاق لأن الأهواء تفرقهم: ((وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ)) [البقرة:145].
والعداء بين اليهود والنصارى، والعداء بين الفرق اليهودية المختلفة، والعداء بين الفرق النصرانية المختلفة أشد.
وما كان للرسول الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم وهذا شأنه وشأن أهل الكتاب، وقد علم الحق في الأمر، أن يتبع أهواءهم بعد ما جاءه من العلم: ((وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ)) [البقرة:145].
ونقف لحظة أمام هذا الجد الصارم، في هذا الخطاب الإلهي من الله عز وجل إلى الرسول الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم الذي حدثه منذ لحظة ذلك الحديث الرقيق الودود.
إن الأمر هنا يتعلق بالاستقامة على هدي الله وتوجيهه، ويتعلق بقاعدة التميز والتجرد إلا من طاعة الله ونهجه، ومن ثم يجيء الخطاب فيه بهذا الحزم والجزم، وبهذه المواجهة وذلك التحذير: ((إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ)) [البقرة:145].
إن الطريق واضح، والصراط مستقيم.. فإما العلم الذي جاء من عند الله، وإما الهوى في كل ما عداه، وليس للمسلم أن يتلقى إلا من الله، وليس له أن يدع العلم المستيقن إلى الهوى المتقلب، وما ليس من عند الله فهو الهوى بلا تردد.
وبعد هذه الوقفة العابرة نعود إلى السياق، فنجده لا يزال يقرر معرفة أهل الكتاب الجازمة بأن الحق في هذا الشأن وفي غيره هو ما جاء به القران الكريم، وما أمر به الرسول الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم، ولكنهم يكتمون الحق الذي يعلمونه، للهوى الذي يضمرونه: ((الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)) [البقرة:146].
ومعرفة الناس بأبنائهم هي قمة المعرفة، وهي مثل يضرب في لغة العرب على اليقين الذي لا شبهة فيه.. فإذا كان أهل الكتاب على يقين من الحق الذي جاء به الرسول الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم، ومنه هذا الذي جاء به في شأن القبلة، وكان فريق منهم يكتمون الحق الذي يعلمونه علم اليقين.. فليس سبيل المؤمنين إذن أن يتأثروا بما يلقيه أهل الكتاب هؤلاء من أباطيل وأكاذيب، وليس سبيل المؤمنين أن يأخذوا من هؤلاء الذين يستيقنون الحق ثم يكتمونه شيئاً في أمر دينهم، الذي يأتيهم به رسولهم الصادق الأمين.
ثم يعود فيؤكد الأمر بالاتجاه إلى القبلة الجديدة المختارة، مع تنويع التعقيب: ((وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)) [البقرة:149].
والأمر في هذه المرة يخلو من الحديث عن أهل الكتاب وموقفهم، ويتضمن الاتجاه إلى المسجد الحرام، حيثما خرج الرسول الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم وحيثما كان، مع توكيد أنه الحق من ربه.. وتوكيد بمناسبة غرض آخر، وهو إبطال حجة أهل الكتاب، وحجة غيرهم ممن كانوا يرون المسلمين يتوجهون إلى قبلة اليهود، فيميلون إلى الاقتناع بما يذيعه اليهود من أصالة قبلتهم، ومن ثم منهجهم، أو من مشركي العرب الذين كانوا يجدون في هذا التوجيه وسيلة لصد العرب الذين يقدسون مسجدهم، وتنفيرهم من الإسلام الذي يتجه أهله شطر قبلة بني إسرائيل: ((وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)) [البقرة:150].
وهو أمر للرسول الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم أن يولي وجهه شطر المسجد من حيث خرج، وإلى المسلمين أن يولوا وجوههم شطره حيثما كانوا، وبيان لعلة هذا التوجيه: ((لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ)) [البقرة:150].
وتهوين لما بعد ذلك من أقاويل الظالمين الذين لا يقفون عند الحجة والمنطق، إنما ينساقون مع العناد واللجاج، فهؤلاء لا سبيل إلى إسكاتهم، فسيظلون في لجاجهم، فلا سبيل على المسلمين منهم: ((فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي)) [البقرة:150] فلا سلطان لهم عليكم، ولا يملكون شيئاً من أمركم، ولا ينبغي أن تحفلوهم فتميلوا عما جاءكم من الله، فهو وحده الذي يستحق الخشية.
ومع التهوين من شأن الذين ظلموا، والتحذير من بأس الله، يجيء التذكير بنعمة الله، والإطماع في إتمامها على الأمة المسلمة، حين تستجيب وتستقيم: ((وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)) [البقرة:150].
وهو تذكير موح، وإطماع دافع، وتلويح بفضل عظيم بعد فضل عظيم.
ولقد كانت النعمة التي يذكرهم بها حاضرة بين أيديهم، يدركونها في أنفسهم، ويدركونها في حياتهم، ويدركونها في مجتمعهم، وموقفهم في الأرض، ومكانهم في الوجود.
كانوا هم أنفسهم الذين عاشوا في الجاهلية بظلامها ورجسها وجهالتها، ثم انتقلوا هم أنفسهم إلى نور الإيمان وطهارته ومعرفته، فهم يجدون في أنفسهم أثر النعمة جديداً واضحاً عميقاً.
وكانوا هم أنفسهم الذين عاشوا في الجاهلية قبائل متناحرة، ذات أهداف صغيرة، واهتمامات محدودة، ثم انتقلوا هم أنفسهم إلى الوحدة تحت راية العقيدة، وإلى القوة والمنعة، وإلى الغايات الرفيعة، والاهتمامات الكبيرة، التي تتعلق بشأن البشرية كلها، لا بشأن ثأر في قبيلة.
فهم يجدون أثر النعمة من حولهم، كما وجدوه في أنفسهم.
وكانوا هم أنفسهم الذين عاشوا في الجاهلية في مجتمع هابط دنس، مشوش التصورات، مضطرب القيم.. ثم انتقلوا هم أنفسهم إلى مجتمع الإسلام النظيف الشريف الرفيع، الواضح التصور والاعتقاد، المستقيم القيم والموازين.
فهم يجدون أثر النعمة في حياتهم العامة، كما وجدوه في قلوبهم، وفي مكانهم من الأمم حولهم.
فإذا قال الله لهم: ((وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)) [البقرة:150].
كان في هذا القول تذكير موح، وإطماع دافع، وتلويح بفضل عظيم بعد فضل عظيم.
ونجد في تكرار الأمر بشأن القبلة الجديدة معنى جديداً في كل مرة..
في المرة الأولى كان الأمر بالتوجه إلى المسجد الحرام استجابة لرغبة الرسول الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم بعد تقلب وجهه في السماء، وضراعته الصامتة إلى ربه. وفي الثانية كان لإثبات أنه الحق من ربه، يوافق الرغبة والضراعة.
وفي الثالثة كان لقطع حجة الناس، والتهوين من شأن من لا يقف عند الحق والحجة.

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://arouj.ahlamontada.com
benameur.S
عضو مميز

عضو مميز


انثى
رقم العضوية : 137
تاريخ التسجيل : 11/04/2009
عدد الرسائل : 1740
عدد المواضيع : 2110
جنسيتك : جزائرية
الموقع : أرتقي في الجنان *** بحفظ آيات القرآن
عدد الاوسمة : 01
  :

مُساهمةموضوع: رد: البيت الحرام ومفهوم الوسطية   الأحد مايو 03, 2009 10:30 pm

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ABDELHADI
عضو مميز

عضو مميز
avatar

ذكر
تاريخ التسجيل : 03/02/2009
عدد الرسائل : 1865
عدد المواضيع : 2092
جنسيتك : جزائرية
الموقع : Mecheria
عدد الاوسمة : 01
نقاط التميز : 15
  :

مُساهمةموضوع: رد: البيت الحرام ومفهوم الوسطية   السبت مايو 16, 2009 12:17 am


_________________
فيا غافلا في غمرة الجهل والهوى ***** صريع الأماني عن قريب ستندم
أفق قد دنا اليوم الذي ليس بعـــــده ***** سوى جنة أو حر نار تـــــضرم
وبالسنة الغراء كن متمســــــــــــكا *****هي العروة الوتقى التي لا تفصم
تمسك بها مسك البخيل بـــــــــماله *****وعظ عليها بالنواجد تســـــــــــلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
BENAMEUR RED1
عضو مميز

عضو مميز


ذكر
تاريخ التسجيل : 03/06/2009
عدد الرسائل : 630
عدد المواضيع : 728
جنسيتك : جزائرية
الموقع : mecheria
عدد الاوسمة : 00
  :

مُساهمةموضوع: رد: البيت الحرام ومفهوم الوسطية   الجمعة يوليو 03, 2009 6:11 pm

مشكور
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
البيت الحرام ومفهوم الوسطية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الرياضيات للأستاذ لعراجي لعرج :: المنتدى الإسلامي :: المنتدى الإسلامي ::  المسجد الحرام-
انتقل الى: